ابن قيم الجوزية
633
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
فهذا الجواب في غاية الضعف . وأجابت طائفة ، منهم ابن جرير وغيره : بأن المسحور هنا هو معلّم السحر الذي قد علمه إياه غيره . فالمسحور عنده : بمعنى ساحر ، أي عالم بالسحر . وهذا جيد إن ساعدت عليه اللغة . وهو أن من علّم السحر يقال له مسحور . ولا يكاد هذا يعرف في الاستعمال ، ولا في اللغة . وإنما المسحور من سحره غيره ، كالمطبوب والمضروب والمقتول وبابه . وأما من علّم السحر فإنه يقال له : ساحر ، بمعنى أنه عالم بالسحر ، وإن لم يسحر غيره . كما قال قوم فرعون لموسى 7 : 109 إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ * ففرعون قذفه بكونه مسحورا ، وقومه قذفوه بكونه ساحرا . فالصواب : هو الجواب الثالث . وهو جواب صاحب الكشاف وغيره : أن « المسحور » على بابه . وهو من سحر حتى جنّ . فقالوا : مسحور ، مثل مجنون أي زائل العقل ، لا يعقل ما يقول . فإن المسحور الذي لا يتّبع : هو الذي فسد عقله ، بحيث لا يدرى ما يقول . فهو كالمجنون . ولهذا قالوا فيه 44 : 14 مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ فأما من أصيب في بدنه بمرض من الأمراض يصاب به الناس ، فإنه لا يمنع ذلك من اتّباعه . وأعداء الرسل لم يقذفوهم بأمراض الأبدان ، وإنما قذفوهم بما يحذّرون به سفهاءهم من أتباعهم . وهو أنهم قد سحروا ، حتى صاروا لا يعلمون ما يقولون ، بمنزلة المجانين . ولهذا قال تعالى : 17 : 48 انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ ؟ فَضَلُّوا . فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا * مثّلوك بالشاعر مرة ، والساحر أخرى ، والمجنون مرة ، والمسحور أخرى . فضلوا في جميع ذلك ضلال من يطلب في تيهه وتحيّره طريقا يسلكه ، فلا يقدر عليه . فإنه أيّ طريق أخذها فهي طريق ضلال وحيرة . فهو متحير في أمره ، لا يهتدي سبيلا ، ولا يقدر على سلوكها . فهكذا حال أعداء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم معه ، حتى ضربوا له أمثالا ، برّأه اللّه منها .